تعلم، أكبر موقع عربي بالعالم

ما هي أنواع الصبر

 

فضل الصبر ومجالاته الإنسان في الدنيا يتقلّب بين السرّاء والضرّاء، وهذه سنّة من سنن الله -تعالى- في خلقه؛ فلا تدوم لأحد على حال، وقد شرع الله -تعالى- للمؤمنين الشكر في حال السرّاء، وشرع لهم الصبر حال الضراء، فهو في السرّاء شاكر لنعم الله -تعالى- محسن للناس، ويكون في الابتلاء صابراً ومانعاً نفسه عن ما يغضب الله -تعالى- من الأقوال والأفعال، وفي الحالتين هو متعبّدٌ لله -سبحانه وتعالى-، وقد وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- حال المؤمن؛ فقال: ( عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له).[١][٢]

أنواع الصبر

ينقسم الصبر إلى ثلاثة أنواع؛ وهي الصبر على قضاء الله وقدره، والصبر على الطاعة، والصبر في الابتعاد عن المعاصي، وسيتم بيان هذه الأنواع بشكل تفصيلي في الفقرات اللاحقة.[٣]

الصبر على قضاء الله وقدره

الصبر على الابتلاء هو أحد أنواع الصبر، حيث يصبر المسلم على ما يصيبه من قضاء الله وقدره مما هو خارج عن إرادته،[٣] وهذا الصبر هو مدار امتحان الله للعبد في الدنيا، وقد وصف الله -تعالى- حال الصابرين على بلائه في الضراء في قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)،[٤] ثمّ وجّه الله تعالى عباده إلى ما يعينهم على الصبر حال وقوع البلاء؛ فقال: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)،[٥]فالتوكل على الله -تعالى- واحتساب الأجر يعدّان من الصبر أيضاً،[٦] كما أنّ الرضا بقضاء الله وقدره مطلوب من العبد؛ فيسلّم ويفوّض الأمر لله -تعالى-، ولا يتسخط أو يشكو من قضاء الله وقدره، ويعلم أنّ الله -تعالى- يعلم الأقدار وهي لا تظهر للعباد، وله الحكمة في كلّ أمر.[٧]

والرضا بالقضاء والقدر مرتبةٌ أعلى من الصبر على البلاء، ويصل العبد إلى هذه الدرجة حين يعلم أنّ ما أصابه تقديرٌ الله -تعالى- فيسلّم أمره له ويرضى بقضائه؛ فينعم في عيشه وتطمئن نفسه، أمّا الصبر على البلاء فهو دليلٌ على إيمان المؤمن، ومظهر من مظاهر الرضا بقضاء الله وقدره، ولا ريبَ أنّ عاقبة الصبر خيرٌ للعبد في الدنيا والآخرة، وبين الصبر والرضا فروق عدّة؛ فالصبر إمساكٌ للنفس عن التسخّط على القضاء مع وجود الألم منه والرغبة في زواله، أمّا الرضا؛ فهو طمأنينة في النفس وانشراح في القلب بقضاء الله تعالى، مع عدم تمني زوال الألم، وإن كان الإحساس به موجوداً، وفي الصبر منع للنفس عن أيّ ردِّ فعل يوجب الخوف من المصيبة.[٨]

واعتراض المسلم على ما يصيبه، والحزن على ما يحلُّ به من بلاء، وترك التسليم لله -تعالى- هو مما يتعارض مع الرضا والصبر، كما أنّ تمني الموت بسبب البلاء، أو فعل المحرّم من نياح ولطم وشقٍّ للجيوب، والهلع والقلق والجزع، فكلّ ذلك يقدح في صبر المؤمن،[٨] والمؤمن يتخلّق بخلق الصبر والرضا؛ فهو حين يبحث عن معاني الخير والحكمة في القضاء، يعلم بأن هذه الدنيا زائلة والحال فيها متقلّب، ولا ينسب المؤمن الشرّ إلى الله -تعالى-؛ فالله لا يأتي إلّا بالخير، وله في كلّ أمر حكمة.[٩]

الصبر عن المعصية

يكون المسلم صابراً عن معصية الله -تعالى- إن أمسك نفسه عن فعلها، وذكّر نفسه دائماً بتقوى الله -تعالى- وباليوم الآخر، وجاهد نفسه لمنعها عن حبّ المعصية أو التعلّق بها، ويدرب المسلم النفس على كراهة وبغض ما يكره الله -تعالى- من الأفعال والأقوال، والصبر عن المعصية ينقسم إلى أقسام ثلاثة؛ أولها أن يصرف المسلم قلبه عن حبّها والتعلق بها، والتواجد في الأماكن التي تكون بها أو يجالس أصحابها ويأنس بهم، وثانيها أن يمنع نفسه عن فعلها إن كان قادراً على ذلك، فلا يقربها ولا يزوالها، وثالثها أن يكون خروجه منها وإقلاعه عنها سريعاً إن وقع بها، ويسرع بالتوبة عنها،[١٠] والأسباب التي تُعين العبد على الصبر عن المعصية كثيرة، وفيما يأتي بيان لبعضها:[١١]

  • العلم بقبح وأثر المعصية، وأنّ الله -تعالى- إّنما حرّمها على العبد لدناءتها ورذالتها وسوء عاقبتها.
  • الخوف والخشية من الله -تعالى-، وهذا يتحقّق باستشعار مراقبة الله -سبحانه- للعبد في كلّ حين، والاستحياء من أن يراه على ما لا يحبّ.
  • استذكار نعم الله -تعالى- على العبد وإحسانه إليه ومراعاتها، ومعرفة أن الإكثار من المعاصي قد يكون سبباً لزوال النعم.
  • استعلاء نفس المؤمن وعزّتها عن تلويثها بالذنوب والمعاصي.
  • تقوية محبة الله -تعالى- في القلب.
  • ترك الإسراف أو الزيادة من فضول الطعام والشراب والملبس والاجتماع بالناس؛ فقد يكون ذلك باباً داعياً إلى المعصية.
  • تذكّر الموت وقصر الأمل.

الصبر على طاعة الله

الصبر على طاعة الله -تعالى- من أعظم أبواب الصبر، وهو عملٌ يستلزم صدق العبد مع الله -تعالى-، والصدق مع نفسه أيضاً ومجاهدتها على فعل الطاعة، قال -تعالى-: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)،[١٢]وللصبر على طاعة الله أقسام ثلاثة؛ أولها أن يكون العبد مقبلاً عليها مستعدّاً لها، وثانيها أن يؤدّيها كما أمر الله -تعالى- ويكون قلبه حاضراً وخاشعاً فيها، وثالثها أن يتمّها دون أن يلحق بها ما يبطلها من الرياء وطلب السمعة والمنّ والأذى وغيرها من مبطلات العمل.[١٣]

وقد أمر الله -تعالى- عباده بالصبر في مواضع عدّة من القرآن الكريم؛ كقوله -تعالى-: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)،[١٤] وينتقل العبد في صبره على الطاعة بين ثلاث أحوال؛ فقبل الطاعة يصحّح نيته، ويصبر على إخلاص العمل لله -تعالى-، ثم يستشعر مراقبة الله -تعالى- له، ويجتهد في إتمام السنن والآداب؛ فيصبر حتى تمام العمل، ثم يصبر على كتمان العمل وعدم الإخبار أو الإعجاب به،[١٥] ويرافق ذلك كلّه المداومة على ذكر الله -تعالى-، ورجاء ثوابه، وخشية عقابه، واستذكار فضل الصبر وثوابه،[١٦] وتصبير النفس على ما يصيبها، وجعلها مطيعة لله -تعالى- بالصلاة والصيام والجهاد وما إلى ذلك من الطاعات، قال -تعالى-:(وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).[١٧][١٨]

مجالات الصبر

ميدان الصبر واسع، ومجالاته كثيرة ومتعددة، تشمل جوانب حياة المسلم كلّها تقريباً، ومن هذه المجالات ما يأتي:[١٩]

  • الصبر على المداومة على الأعمال التي تحتاج وقتاً طويلاً نسبياً، وتلك التي تتطلب المثابرة والعمل الدؤوب أيضاً.
  • ضبط النفس عن ردات الفعل غير المدروسة والمتعجلة، وضبطها عن أفعال الغضب والهيجان، والتروّي في التصرف وإحكام العقل والاتّزان في القول والعمل.
  • التروّي والتعقل عند السير لتحقيق المطالب الدنيوية المعنوية والمادية، وترك العجلة.
  • ضبط النفس عن الخوف والجبن في المواقف التي تتطلب الشجاعة والإقدام؛ حتى تتحصل النفس على الخير المرجو منها.
  • إمساك النفس عن التمادي في الشهوات وأهواء النفس ونزواتها؛ لتجنّب العواقب غير السليمة.
  • ضبط النفس وتعويدها على زيادة قدرة تحمّلها للمشاق والآلام الجسدية والمعنوية، في سبيل تحصيل الخير.
  • كظم الغيظ عند إساءة الاخرين، ومقابلة السيئة بالحسنة.
  • الصبر على طلب العلم.

فضل الصبر

أثنى الله -سبحانه وتعالى- على الصابرين في مواضع عدّة في القرآن الكريم، قال -تعالى-: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)؛[٢٠] فهم بذلك ينالون صلاة الله -تعالى- عليهم وينالون رحمته وهدايته، وقد بيّن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنّ الصبر هو أفضل العطاء فقال: (ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وما أُعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ)،[٢١] كما وينال المسلم عند تخلّقه بالصبر الأجر العظيم، قال -تعالى-: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)،[٢٢] كما وينال المسلم الصابر محبة الله -تعالى-؛ فقال: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)،[٢٣] وبالصبر تتحقق معية الله -تعالى- للعبد؛ فقال: (وَاصبِروا إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصّابِرينَ)،[٢٤] وهو بذلك يذوق حلاوة الإيمان.[٢٥][٢٦]

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *